قال ابن تيمية رحمه الله: ( إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، لأن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بالعربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ).
مقاطع اليويتوب النقي الجديدة  
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العشر من ذي الحجة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العشر من ذي الحجة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 11 نوفمبر 2010

البركة في عشر ذي الحجة



اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد
أمير بن محمد المدريإمام وخطيب مسجد الإيمان – اليمن
 موقع صيد الفوائد


الحمد لله ذِي الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له الملِك العلاّم، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبده ورسوله سيّد الأنام، اللهمَّ صلِّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ما تعاقبتِ الدهور والأعوام.
وبعد
لقد كتب الله على نفسه الرحمة، ونشر رحمته بين العباد، وجعلها واسعة بفضله حتى وسعت كل شيء، يقول سبحانه:
 ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )[الأعراف:156]، ومن رحمته جل وعلا بنا أن جعل لنا مواسم ونفحات تُضاعف فيها الحسنات وتزداد فيها الدرجات ويستدرك العبد بها ما فات، فالسعيد من تنبه لها واستفاد منها والشقي من غفل عنها وضيع نفسه.
ومن هذه المواسم المباركة أيام عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا، فأيامها أفضل من أيام رمضان وليالي رمضان أفضل من ليالي ذي الحجة.
دلائل فضل هذه الأيام
أولاً: إن الله أقسم بها ولا يقسم ربنا إلا بعظيم من المخلوقات أو الأوقات، قال تعالى: ( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) [الفجر:2] وهي عشر ذي الحجة كما قال أهل التفسير.ثانياً: صح فيها حديث ابن عباس رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْء».[أخرجه البخاري ومسلم].
ثالثاً: من فضائلها أن العبادات تجتمع فيها ولا تجتمع في غيرها، فهي أيام الكمال، ففيها الصلوات كما في غيرها، وفيها الصدقة لمن حال عليه الحول فيها، وفيها الصوم لمن أراد التطوع، أو لم يجد الهدي، وفيها الحج إلى البيت الحرام ولا يكون في غيرها، وفيها الذكر والتلبية والدعاء الذي تدل على التوحيد، واجتماع العبادات فيها شرف لها لا يضاهيها فيه غيرها ولا يساويها سواها.رابعاً : فيها يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. وهو يوم مغفرة الذنوب، والتجاوز عنها، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة».
وروى ابن حبان من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 
«مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ» وفي رواية: «إنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ, فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي, اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي, قَدْ أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ». خامساً: ومن فضائلها: أن فيها يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو أفضل الأيام كما في الحديث: «أفضل الأيام يوم النحر» [رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح]، وفي يوم النحر معظم أعمال النسك للحجاج من رمي الجمرة وحلق الرأس وذبح الهدي والطواف والسعي وصلاة العيد وذبح الأضحية.
السلف والعشر
كان سلفنا الصالح يعظمون هذه الأيام ويقدرونها حق قدرها، قال أبو عثمان النهدي كما في لطائف المعارف: "كان السلف ـ يعظّمون ثلاثَ عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من المحرم». وقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة بعشرة آلاف يوم»، يعني في الفضل، وروي عن الأوزاعي قال: «بلغني أن العمل في يوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها ويحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بالشهادة».
يا له من موسم يفتح للمتنافسين ويا له من غبن يحق بالقاعدين والمعرضين فاستبقوا الخيرات يا عباد الله وسارعوا إلى مغفرة من الله وجنة عرضها السماوات والأرض وإياكم والتواني وحذار من الدعة والكسل.

يستحب في هذه الأيام

1- الحج:

من أجلِّ الأعمال الصالحة التي تشرع في هذه العشر أداء مناسك الحج الذي أوجبه الله تعالى على كل مسلم قادر تحققت فيه شروط وجوبه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفث ولم يفسُق رجع من ذنوبه كيوم ولدَته أمُّه» متفق عليه، ويقول صلى الله عليه وسلم: «تابِعوا بين الحجِّ والعمرة؛ فإنّهما ينفيان الفقر والذنوبَ كما ينفي الكير خَبثَ الحديدِ والذّهب والفضَّة، وليس للحجّة المبرورةِ ثوابٌ إلاّ الجنّة» [رواه الترمذيّ والنسائي وسنده صحيح ].

2-الصيام:

يستحب الإكثار من الصيام في أيام العشر، ولو صام التسعة الأيام لكان ذلك مشروعاً، لأن الصيام من العمل الصالح، قال صلى الله عليه وسلم : «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» [أخرجه البخاري ومسلم]. ويزداد أجر الصيام إذا وقع في هذه الأيام المباركة، قال النوويّ رحمه الله: «فليس في صومِ هذه التسعة ـ يعني تسع ذي الحجّة ـ كراهةٌ شديدة، بل هي مستحبّة استحبابًا شديدًا»[ شرح صحيح مسلم (8/71)]. وصوم يوم عرفه يكفر ذنوب سنتين قال صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسـنة التي بعده...» [أخرجـه مسلم في: الصيام (1162 ] والمراد بها الصغائر، وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء, وذكرنا هناك أنه إن لم تكن صغائر، يُرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رُفعت درجات [شرح مسلم (8/50/ 51)].

3-القران:

القرآن التجارة التي لن تبور، حاول أن تختمه في هذه العشر، قال صلى الله عليه وسلم: «لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل»[ رواه مسلم ]، واعلم أخي المسلم انك لن تتقرب إلى الله بمثل كتابه تلاوةً وتدبراً وتحكيماً. 
4-الصلاة:
قال صلى الله عليه وسلم: «الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر» [صحيح الجامع (3870)] ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «ما عمل ابن آدم شيئا أفضل من الصلاة وصلاح ذات البين وخلق حسن».[ صحيح الجامع (3518).
ولا تنس أخي بناء بيت في الجنة بصلاة اثنتي عشرة ركعة تطوعا من غير الفريضة، وصلاة الضحى ركعتان أو أكثر، و قيام الليل ففي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم ذكر منهم الذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن يقوم من الليل فيقول الله: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد» [الطبراني بإسناد حسن].
المحافظة على النوافل سبب من أسباب محبة الله، ومن نال محبة الله حفظه وأجاب دعاءه، وأعاذه ورفع مقامه، لأنها تكمل النقص وتجبر الكسر وتسد الخلل.

5-الذكر:

الذكر هو أحب الكلام إلى الله تعالى، وهو سبب النجاة في الدنيا والآخرة، وهو سبب الفلاح، به يُذكر العبد عند الله، ويصلي الله وملائكته على الذاكر، وهو أقوى سلاح، وهو خير الأعمال وأزكاها وأرفعها في الدرجات، وخير من النفقة، به يضاعف الله الأجر، ويغفر الوزر، ويثقل الميزان، يقول تعالى:
( لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلاْنْعَامِ)[الحج:28]،روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد»، وكان أبو هريرة وابن عمر إذا دخلت عشر ذي الحجة يخرجان إلى السوق يكبران فيكبِّر الناسُ بتكبيرهما.[ رواه البخاري] .
والتكبيرُ عند أهلِ العلم مطلقٌ ومقيّد، فالمطلق يكونُ في جميع الأوقات في الليل والنهار من مدّة العشر، والمقيّد هو الذي يكون في أدبارِ الصّلواتِ فرضِها ونفلِها على الصّحيح، للرّجال والنّساء.
وأصحُّ ما ورد في وصفِه ـ أي: التكبير المقيّد ـ ما ورَد مِن قولِ عليّ وابن عبّاس ن أنّه مِن صُبح يومِ عرفة إلى العصرِ من آخر أيّام التشريق (الثالث عشر )وأمّا للحاجّ فيبدأ التكبيرُ المقيّد عقِب صلاةِ الظهر من يوم النحر. وصحّ عن عمر وابن مسعود ب صيغة: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

6-الصدقة:

الصدقة، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وتفريح المؤمن وإدخال السرور على نفسه وطرد الهم عنه مما يحبه الله تعالى، فبالصدقة ينال الإنسان البر ويضاعف له الأجر ويظله الله في ظله يوم القيامة، ويُفتح بها أبواب الخير ويغلق بها أبواب الشر، ويفتح فيها باب من أبواب الجنة، ويحبه الله ويحبه الخلق، ويكون بها رحيماً رفيقاً، ويزكي ماله ونفسه، ويغفر ذنبه، ويتحرر من عبودية الدرهم والدينار، ويحفظه الله في نفسه وماله وولده ودنياه وآخرته.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إلى الله أي الأعمال أحب إلى الله فقال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب العمل إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عن كربه أو تقضى عنه ديناً أو أتطرد عنه جوعاً» [رواه الطبراني وصححه الألباني].

7-الأضحية:

شُرعت الأضاحِيَّ تقرُّبًا إلَى اللهِ بدمائِهَا، وتصدقًاً علَى الفقراءِ بلحمِهَا، والأضحيةُ مِنْ شعائرِ الإسلامِ، وهِيَ رمزٌ للتضحيةِ والفداءِ، وسنةُ أبِي الأنبياءِ إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم، وهِيَ أحبُّ الأعمالِ إلَى اللهِ فِي يومِ العيدِ، فعَنِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: 
«مَا عَمِلَ آدَمِىٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ إلى أَحَبَّ اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْساًِ» [رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه ]، والأضحية سنة مؤكدة يُكره للقادر تركها.
ومن أحكام الأضحية أن تبلغ السن المجزئة شرعاً، فمن الغنم ما أتم سنة كاملة، ومن الضأن ما أتم ستة أشهر، ومن الإبل ما أتم خمس سنين، ومن البقر ما أتم سنتين كاملتين، وتجزئ الإبل والبقر عن سبعة أشخاص، فلو اشترك سبعة في بعير أو بقرة أجزأت عنهم جميعًا.
وللأضحية شروط لا بد من توفرها، منها السلامة من العيوب التي وردت في السنة، وقد بين العلماء هذه العيوب مفصلة، ومن شروطها أن يكون الذبح في الوقت المحدد له، وهو من انتهاء صلاة العيد إلى غروب شمس آخر أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر.
وينبغي للمسلم إذا أراد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها قال :«إذا رأيتم هلال ذي الحجة فمن أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا» [رواه مسلم]. وهذا المنع على القيِّم رب الأسرة، وأما أولاده فإن أمسكوا فحسن حتى يحظوا بالأجر، وإن أخذوا فلا حرج عليهم إن شاء الله.

8-الدعاء:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» [أخرجه الترمذي في الدعوات]
قال ابن عبد البر: «وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره،وفي الحديث أيضًا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب [التمهيد (6/41)].
9-التوبة والبعد عن المعاصي:
ومما يجب في هذه العشر وفي كل زمان التوبة النصوح والرجوع إلى الله والإقلاع عن المعاصي والذنوب، قال تعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا) [التحريم: 8]، فسارعوا إلى التوبة الصادقة بالكف عن المحرمات والتحلل من المظالم ورد الحقوق والبعد عن الفواحش.
أخي الحبيب :
 سابق في هذه العشر بكل عمل صالح، وأكثر من الدعاء والاستغفار، وتقرب إلى الله بكل قربة، عسى أن تفوز فوزًا عظيمًا. جعلنا الله من المسارعين في الخيرات والذين هم لها سابقون.
وصلى الله وسلم علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه واقتفى أثره إلي يوم الدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 8 نوفمبر 2010

حال السلف في أيام عشر ذي الحجة


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرًا،

أما بعد: فإن شهر ذي الحجة شهر كريم، وموسم عظيم، شهر الحج، شهر المغفرة والوقوف بعرفة، شهر يتقرب فيه المسلمون إلى الله بأنواع القربات من حج، وعمرة وصلاة، وصيام، وصدقة، وأضحية، وذكر الله، ودعاء، واستغفار, والعشر الأول عشر مباركات، وهن الأيام المعلومات، قال تعالى : (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) (الحج :آية 27)، قال ابن عباس - رضي الله عنه - عن الأيام المعلومات: ( أيام العشر)(1). وأقسم الله بهن في محكم الآيات في قوله: (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْر ٍ)(الفجر: آية 2) فهي أفضل من كل عشر سواها، والعمل فيها أفضل من العمل في غيرها.
والمسلم مطالب بأن يعمرها بما يقدر عليه من الأعمال الصالحة، لعله يحظى بالمغفرة من الله، والعتق من النار.
روى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه؟ قالوا: ولا الجهاد، قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء"(2).
فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن أيام عشر ذي الحجة من أعظم أيام السنة، وحث على العمل الصالح فيها.
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد"(3). ففي هذا الحديث الحث على الذكر والطاعة في أيام العشر.
فما حال السلف الصالح في هذه العشر؟ وما هي الأعمال التي كانوا يكثرون منها ويحرصون عليها في هذه العشر؟
فقد كان السلف يعظمون هذه العشر، فقد روى محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أبي عثمان النهدي قال: كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من المحرم، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخير من رمضان(4).
أولاً: ما ورد في فضلها:
1. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم قال - يعني في الفضل - (5).
2. وعن الأوزاعي قال: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها، ويحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بشهادة(6).

ثانياً: الاجتهاد فيها: 
فقد كانوا يجتهدون في العشر اجتهاداً عظيماً، ومنهم: 
1. سعيد بن جبير كان إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه(7).
2. وعنه أيضاً أنه قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر - تعجبه العبادة - ويقول: يقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة(8). 
ثالثاً: صيامها:
فقد روى أحمد(9)، وأبو داود ( وهذا لفظه ) (10)، والنسائي(11)، وغيرهم عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر والخميس.
وأما حال السلف في صيام العشر والترغيب في ذلك، فقد ورد عن بعضهم، ومنهم: 
1. عن الحسن البصري أنه قال: صيام يوم من العشر يعدل شهرين(12).
2. وعن الأوزاعي قال: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها، ويحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بشهادة(13).
3. وقال عبد الله بن عون: كان محمد بن سيرين يصوم العشر - عشر ذي الحجة كلها - فإذا مضى العشر ومضت أيام التشريق أفطر تسعة أيام مثل ما صام(14). 
4. وقال ليث بن أبي سليم: كان مجاهد يصوم العشر، قال: وكان عطاء يتكلفها(15). 
5. وكان عيسى بن علي بن عبدالله بن عباس يصوم هذه العشر(16). 
رابعاً: ذكر الله فيها:
كان السلف - رحمهم الله- يكثرون ذكر الله في هذه العشر:
1. فقد قال مجاهد: كان أبو هريرة، وابن عمر - رضي الله عنهما - يخرجان أيام العشر إلى السوق فيكبران؛ فيكبر الناس معهما، لا يأتيان السوق إلا لذلك(17).
2. وعن ثابت البناني قال: كان الناس يكبرون أيام العشر حتى نهاهم الحجاج، والأمر بمكة على ذلك إلى اليوم يكبر الناس في الأسواق في العشر(18).
3. وعن مجاهد أنه كره القراءة في الطواف أيام العشر، وكان يستحب فيه التسبيح ، والتهليل، والتكبير، ولم يكن يرى بها بأساً قبل العشر ولا بعدها(19).
4. وقال مسكين أبي هريرة: سمعت مجاهداً، وكَبّر رجل أيام العشر فقال مجاهد: أفلا رفع صوته؛ فلقد أدركتهم وإن الرجل ليكبر في المسجد فيرتج بها أهل المسجد، ثم يخرج الصوت إلى أهل الوادي حتى يبلغ الأبطح فيرتج بها أهل الأبطح، وإنما أصلها من رجل واحد(20).
خامساً: تعظيمها عند السلف:
كان السلف - رحمهم الله - يعظمون هذه العشر، فلا يحدثون فيها ذنباً ولا إثماً، حتى في ذكر الحديث الضعيف أو الحديث الذي فيه خطأ فهم لا يقومون به:
1. فقد ذكر البرذعي في سؤالاته لأبي زرعة الرازي قال: سألت أبا زرعة عن حديث ابن أبي هالة في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في عَشْرِ ذي الحجة، فأبى أن يقرأه علي , وقال لي: فيه كلامٌ أخاف أن لا يصحّ، فلما ألححت عليه, قال: فأخِّرْه حتى تَخْرُجَ العَشْرُ, فإني أكره أن أُحَدِّثَ بمثل هذا في العَشْر. يعني حديث أبي غسان عن جميع بن عمر(21). 
2. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبى يقول: أتيت يحيى بن معين أيام العشر ـ عشر ذي الحجة ـ وكان معي شيء مكتوب ـ يعنى: تسمية ناقلي الآثار ـ وكنت أسأله خفياً فيجيبني، فلما أكثرت عليه، قال: عندك مكتوب؟ قلت: نعم، فأخذه فنظر فيه فقال: أياماً مثل هذا؟! وذكر الناس فيها؟ فأبى أن يجيبني وقال: لو سألت من حفظك شيئاً لأجبتك، فأما أن تدونه فإني أكره(22).
بل إن بعضهم كان يترك التعليم والتحديث لطلابه أيام العشر، قال الأثرم: أتينا أبا عبد الله – يعني أحمد بن حنبل – في عشر الأضحى فقال: قال أبو عوانة: كنا نأتي سعيد الجريري في العشر فيقول: هذه أيام شغل، وللناس حاجات، وابن آدم إلى الملال ما هو(23).
ومنهم من إذا دخلت العشر تشبه بالحجاج، قال ابن جريج: أمر أبو جراب عطاء وهو أمير مكة أن يحرم في الهلال، فكان يلبي بين أظهرنا وهو حلال، ويعلن بالتلبية، وكان أهل مكة فيما مضى على ذلك وفقهاؤهم يحبون أن يتجرد الناس في أيام العشر، ويتشبهوا بالحاج(24). 
سادساً : تنويع العبادات عند السلف:
كان السلف - رضي الله عنهم - ينوعون من العبادات في عشر ذي الحجة من أجل أن تستوعب أيام العشر أنواعاً من العبادات: 
1. فقد قال عمر بن الخطاب: لا بأس بقضاء رمضان في العشر(25) .
2. وكان الحسن البصري يكره أن يتطوع بصيام وعليه قضاء من رمضان إلا العشر(26).
3. وقال صدقة بن يسار: سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: عمرة في العشر الأول من ذي الحجة أحب إليَّ من أن أعتمر في العشر البواقي، فحدثت به نافعاً فقال: نعم عمرة فيها هدي، أو صيام، أحب إليه من عمرة ليس فيها هدي ولا صيام (27). 
4. وقال عبد الله بن أبي مليكة: كان عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - يصلي الظهر ثم يضع المنبر فيجلس عليه في العشر كلها، فيما بين العصر والظهر يعلم الناس الحج(28) .
5. وعن أبي معن قال: رأيت جابر بن زيد وأبا العالية اعتمرا في العشر(29).
6. وكان الحافظ ابن عساكر يعتكف في شهر رمضان، وعشر ذي الحجة(30). 
هذا، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لفعل الخيرات، وترك المنكرات في أيام العشر خاصة، وفي بقية أيام السنة عامة، كما سبق من أحوال السلف، وأن نستغلها خير استغلال، إنه ولي ذلك والقادر عليه، هذا والله أعلم، و صلى الله عليه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إعداد وجمع

سلطان بن فهد الطبيشي

(1) - شعب الايمان للبيهقي 3/ 359 
(2) - صحيح البخاري 1 / 329 
(3) - مسند أحمد 2/ 75 + 131 
(4) - الدر المنثور 8 / 501  ولم أجده في المطبوع من تعظيم قدر الصلاة 
(5) - شعب الايمان 3/ 358 ، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 54 /239 
(6) - شعب الإيمان 3 / 355 
(7) - سنن الدارمي 2/ 41 ، وشعب الإيمان 3 / 354 
(8) - سير أعلام النبلاء 4 / 326 
(9) - مسند أحمد 5/ 271 
(10) - سنن أبي داود 7/ 102 
(11) - سنن النسائي الصغرى 4/ 220 ، وصحح الألباني الحديث، ينظر صحيح النسائي للألباني 2/ 499والحديث فيه اختلاف على هنيدة 
(12) - الدر المنثور ج 8 /501 
(13) - شعب الإيمان 3 / 355 
(14) - مصنف ابن أبي شيبة 2 /300 
(15) - مصنف ابن أبي شيبة 2 /300 .
(16) - المنتظم لابن الجوزي 7 / 353 
(17) - أخبار مكة للفاكهي 3 / 10 
(18) - أخبار مكة للفاكهي 3 / 10 
(19) - أخبار مكة للفاكهي 1 / 225 
(20) - مصنف ابن أبي شيبة 3 / 250 
(21) - سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي 2 / 550 – 551 
(22) - الجرح والتعديل 1 / 317 
(23) - سؤالات الأثرم للأمام أحمد بن حنبل ص 39 
(24) - أخبار مكة للفاكهي 2 / 335 
(25) - مصنف ابن أبي شيبة 2 / 324 وقال ابن حجر في فتح الباري 4/ 189: وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يستحب ذلك 
(26) - مصنف ابن أبي شيبة 2 / 305 
(27) - شرح معاني الآثار 2 / 148 ، وانظر : مصنف ابن أبي شيبة 3 / 160 
(28) - أخبار مكة للفاكهي 3 / 60 
(29) - مصنف ابن أبي شيبة 3 / 160  
(30) - تذكرة الحفاظ 4 / 1332

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

كلمات قصيدة " أما والذي حج الحجيج بيته" لابن القيم


أما والـذي حـج الحجيج لبيتـه *** ولبُّوا له عنـد المهـلَّ وأحرمـوا
وقد كشفوا تلك الرؤوس تواضعـاً *** لِعِزَّته تعنـو الوجـوه وتُسلـمُ
يُهلُّـون بالبيـداء لبـيـك ربَّـنـا *** لك الملك والحمد الذي أنـت تعلـمُ
دعاهـم فلبَّـوه رضـاً ومحـبـةً *** فلمـا دَعَـوه كـان أقـرب منهـم
تراهم على الرمضاء شُعثاً رؤوسهم *** وغُبراً وهـم فيهـا أسـرُّ وأنعـم

وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبـة *** ولـم يُثْنهـم لذَّاتـهـم والتنـعُّـم
يسيرون مـن أقطارهـا وفجاجِهـا *** رجـالاً وركبـانـاً ولله أسلـمـوا
ولما رأتْ أبصارُهـم بيتـه الـذي *** قلوبُ الورى شوقـاً إليـه تضـرَّمُ
كأنهـم لـم يَنْصَبـوا قـطُّ قبـلـه *** لأنّ شقاهـم قـد تَرَحَّـلَ عنـهـمُ
فلله كـم مـن عـبـرةٍ مهـراقـةٍ *** وأخـرى علـى آثارهـا لا تقـدمُ
وقد شَرقَتْ عينُ المحـبَّ بدمعِهـا *** فينظرُ من بيـن الدمـوع ويُسجـمُ
وراحوا إلى التعريف يرجونَ رحمة *** ومغفـرةً ممـن يجـودَ ويـكـرمُ
فلله ذاك الموقـف الأعظـم الـذي *** كموقف يوم العرض بل ذاك أعظمُ
ويدنو بـه الجبـار جـلَّ جلالـه *** يُباهي بهـم أملاكـه فهـو أكـرمُ
يقولُ عبـادي قـد أتونـي محبـةً *** وإنـي بهـم بـرُّ أجـود وأكـرمُ
فأشهدُكـم أنـي غفـرتُ ذنوبهـم *** وأعطيتهـم مـا أمَّـلـوه وأنـعـمُ
فبُشراكُم يا أهل ذا الموقـف الـذي*** بـه يغفـرُ الله الذنـوبَ ويرحـمُ
فكم من عتيـق فيـه كُمَّـل عتقُـه *** وآخـر يستسعـى وربُّـكَ أكـرمُ




فهل أنت مشتاق؟

السبت، 30 أكتوبر 2010

العشر من ذي الحجة


هي قادمة فاستعدوا
صباح الضامن
موقع صيد الفوائد
 
تلوح لي
جميلة تبرق بين الثنايا في دنيانا
تقترب بهمس تلقي بنوار الأماني في حقلي
أصافحها بدمع شجي
شتاء نحن وكيف أزرعك!
وتقترب..
أكثر, أرقب أنفاسها توقد من وهج العزم وتقول أنا قادمة بنواري بزهري بثمري من بين الابيضاض الحافل المحفتل من بين زوابع النفوس اضطرابا وقلقا من بين سكب الذهب ورقائق الفضة ورنين الثراء أنا قادمة وتختلج الأضلع حنينا وتشفق من فرار النبضات في ردهات الأفول والوهن

وأخاطبها بإشفاق أن تفر مني
وأداريها عن صخب العمر وهتافات الجوارح
وأسلمها لقلب يحدث برفق ويخطو بوجل ويستمع لمناجاة الحنين.

أنا قادمة
فالتوق للعالم الذي إليه تقودين بشذرات الحب والخلود مهيأ فيا نفس لا توصدي بوابات الأعمار لها فهي قادمة وفي ذراعيها ألف طواف وألف مسعى وألف ألف صلاة وفي جناحيها طيب اللقيا ورفقة الذكريات لمن بنى اليقين في خلف وسلف.

أنا قادمة
بلا خفوت ولا علو
برقة ألتقي مع السبحات والسجدات والتبتلات أنا قامة أيام وآتي فاستعدي.

فافتحي يا دنيا لها مدنك الضاجة
وتزيني برمال صفر وخضر وبيض سرادق الوجود فقد اقتربت.
هي أيام فضل فلا توصدوا أبوابها كل يوم تحمل بين الثواني أثمن الهمسات فاقتربي نهمس سويا نطوف بقلب وإن بعد عن مكان فنبضه فيه.
ونسعى لخير بجارحة وإن نأت عنا الديار فأنامل العطاء بطيب فعلها فيه.
ونصلي سجودا في رحاب حرمك بليل أخاله نهار الساجدين والتسبيح فيه.

فيا أيام شهر فضيل أقبلي
ويا نفسي استعدي فما هي إلا أيام..
قشيب اللفظ لا يسعف
وجميل الفعل تهادى ليخبر
فاستعدي ....
 
كان يحيى بن خالد يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدّثوا بأحسن ما تحفظون.







المشاركات الشائعة